أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
90
شرح مقامات الحريري
أيّ ماء لحرّ وجهك يبقى * بين ذلّ الهوى وذلّ السؤال فلما قرأ الشعر قال : قد شغل هذا ما يليه ، ولا أرب لنا فيه . وحكى الأصبهانيّ قال : جمع مجلس أبا تمام وعبد الصمد ، وكان عبد الصمد سريح القول ، وفي أبي تمام بطء ، فأخذ عبد الصمد قرطاسا ، وكتب : أنت بين اثنتين ، الأبيات ، ورمى بها إلى أبي تمام ، فأخذه وخلا به طويلا ، وجاء وقد كتب فيه : [ الكامل ] أفيّ تنظم قول الزّور والفند * وأنت أنزر من لا شيء في العدد أشرجت قلبك من بغض على حرق * كأنها حركات الرّوح في الجسد فقال له عبد الصمد : يا ماصّ بظر أمه ، أخبرني عن « لا شيء » في العدد كيف يكون ؟ وعن قولك : « أشرجت قلبك » ، أعيبة أو خرج ، فأشرجه ، عليك لعنة اللّه . فانقطع أبو تمام انقطاعا ما رئي مثله . وحكاية الصوليّ أولى بالصحة من هذه ، وليس عبد الصمد من رجال أبي تمام ، ولا له من التصرّف في أنواع الشعر ما لأبي تمام ، وصنع البديع وقف عليه ، ولو صحّت الحكاية فلا يحكم بالنّدرة ، لكن يحكم بالجملة ، واستعمال ديوان حبيب في مجالس العلماء شاهد على فضله ، على أنّ ما جمعنا لعبد الصمد في هذا الكتاب غاية في بابه . فلنرجع إلى ما قيل في ذل السؤال . [ ذل السؤال ] قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من سأل وعنده ما يغدّيه أو يعيشه فإنما يستكثر من جمر جهنّم » « 1 » . وقال الحسن بن علي رضي اللّه عنهما : حسبك من السؤال أنه يضعف لسان المتكلم ، ويكسر قلب الشجاع البطل ، ويوقف الحرّ الكريم موقف العبد الذليل ، ويذهب بنضرة اللون ، ويمحو الحسب ، ويحبّب الموت ، ويمقت الحياة . الأصمعي رحمه اللّه : سمعت أعرابيا يقول : المسألة طريق المذلّة ، تسلب الشريف عزة والحسيب حسبه . وقال معاوية لعبد اللّه بن الزبير : أنشدني ثلاثة أبيات غريبة ، فقال أنشدكها بثلاثين ألفا تدفعها إليّ ، فقال : حتى تنشد فأسمع ، فأنشده أبيات الأفواه الأوديّ : [ الوافر ] بلوت النّاس قرنا بعد قرن * فلم أر غير ختل أو قتال « 2 »
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الزكاة باب 24 ، وأحمد في المسند 4 / 181 ، بلفظ : « فإنه يستكثر من نار جهنم » . ( 2 ) الأبيات في ديوان الأفوه الأودي ص 23 .